وجه الحقيقة

سعد محمد احمد يكتب .. تفاقم الأزمة الموروثة

الحياة اليوم

بقلم : سعد محمد احمد
ما حققه نظام الإنقاذ في السودان من خراب بنيوي سياسي اقتصادي خلال ثلاثة عقود لم يشهد تاريخ البلاد مثيلا لها حتى في سنة (ستة) عهد الخليفة التعايشي وللقصة بدايات عقيمة تمكينية بداءا من تسويق وعرض الجنسية السودانية في سوق النخاسة واستقطاب الهاربين من دولهم وتقسيم كوتة التجنيس عليهم لتصدير المشروع ثم عملية الخصخصة لموارد البلاد والتقسيم بين عضوية تنظيم الإسلام السياسي داخليا وخارجيا لتذهب ريعها للتنظيم الدولي على حساب البلاد باسم إصلاح الاقتصاد السوداني على يد عرابها الراحل صاحب المثلث كانت القسمة مجرد أوراق بقيمة اسمية تتعدد المبررات وراء هذه العملية انها كانت عملية سريعة لتسييل الملكية العامة للسودانيين في السوق مع حرمان الشعب من حقهم في الاعتراض على الخصخصة مع إعطاء شعور وهمي للمواطنين بعدالة وشفافية ونزاهة الخصخصة ولطمأنتهم بأنها ليست سرقة الثروة العامة التي تمت خصخصتها والتي شملت عشرات الشركات والمؤسسات الناجحة بأعتبار انها فاشلة بنسبة اثمان بخسة لا تتجاوز نسبة ارباحها السنوية كأنها خسرانة حتى هذه النسبة الضيئلة من ثمن بيع هذه المؤسسات لا يعرف الشعب السوداني أين صرفت هذه الموارد وأول هذه المؤسسات التي بيعت وخصخصت كان دار الهاتف السوداني وكانت هذه أول حلقة في مسلسل النهب بدا السماسرة بعدها بجمع الاسهم باثمان بخسة وهكذا تركزت الاسهم في يد عدد محدود من سيسمون بالاليغارشية السودانية (وهم عموما واجهة محلية لناهبيين دوليين) وهنا تنوعت السيناريوهات فالعملية كانت تتم حضورا على أن تعرض أسهم اي مؤسسة أو شركة للخصخصة وتقسم بالتساوي على عدد الحاضرين المدعوين بعناية فايقة لذلك عملت النخبة الحاكمة المنتمية للمجلس القيادي ان تشمل الكلاكلة من ذو النخبة واقصاء اي منافسة من المواطنين فكانت بعض عمليات الطرح تتم في ساعات الفجر أو متأخرة من الليل أو بعض أماكن طرح الاسهم تم إغلاق طرقها بالحواجز والمسلحين وبعضها عقد في أماكن نائية وصعبة الوصول
شهدت سنوات الإنقاذ بيع وتجفيف وخصخصة عشرات المؤسسات منها سودانير النقل المهري والخطوط البحرية والبريد والبرق ومشروع الجزيرة والمؤسسات التابعة له والفندق الكبير وقصر الصداقة ومصانع الغزل والنسيج وبيت السودان في كل من لندن وجنيف وغيرها
كلها كانت تشكل إضافة قيمة حقيقية من موارد في إيرادات الموازنة العامة للدولة كما تم تجفيف هيئة النقل الميكانيكي لإلغاء دورها الرئيسي واللوجستي حيال المركبات العامة والخاصة وبعدها تم فتح مكاتب في الخارج خاصة في السعودية لاستيراد العربات يديره احد كوادرهم التنظيمي والذي أصبح صاحب مال ورجل أعمال بين ليلة وضحاها وفي ما بعد أصبح صاحب مؤسسة تعليمية جامعية وتم تجفيف المخازن والمهمات وإلغاء دورها لتقنين الفساد اما وزارة المالية وتغييب دورها في الولاية على المال العام وشرعنت التجنيب للموارد وفتح حسابات للوحدات الحكومية في المصارف التجارية بعيدا عن عين الرقابة من قبل وزارة المالية والسماح لها بالصرف من مواردها الخاصة والتي تعددت بعد رفع يد الرقابة وابطال نظام الأمر المستديم للصرف حسب الميزانية المجازة ببنودها ثم خصخصة التعليم والصحة لتشكل اقتصاد ريعي لراسمالية متوحشة تمتص دم الناس وتثري على حسابهم لتكون الصحة والتعليم محروما على الفقراء ومتاحا للاغنياء فقط ورفعت الدولة يدها من الخدمات العامة رغم الضرائب الباهظة التي يتحمل عبئها الفقراء بسبب السياسية الضريبية القائمة الضريبة الغير مباشرة وهي القيمة المضافة التي تشكل مورد رئيسي للدولة دون مقابل من خدمات هكذا حرمت الشعب السوداني من حقوق ومن حياة كريمة
وطبيعة الحال تدهورت الأحوال المعيشية في السودان وتحول خريجي الجامعات وحاملي الشهادات العلمية من أطباء ومهندسين سائقين للركشات ان لم يحظي بالاغتراب أو ركوب قوارب الموت. وظهرت ظواهر سالبة في المجتمع مهددا وسيولة أمنية وتفاقمت الأوضاع السيئة ليحصلوا على كفاف يومهم وليواجهوا نقص الغذاء والسلع الحيوية.
صحيح ان خصخصة موارد اي دولة تعد نهبا بحقها الاجيال لكن للحالة السودانية خصوصية أشد ايلاما فما تمت خصخصته ليس الموارد فحسب بل تعب أجيال تحملت المصاعب عملت بكد وجهد وهي تحلم بالاجيال القادمة التي ستقطف شقاء عمرها والدولة التي ستورثها لاولادها واحفادها
هذه المؤسسات بيعت بأقل من ارباحها السنوية وباعشار قيمة موجوداتها التي هربت ارباحها لاحقا للخارج وتعفف اصحابها الجدد عن دفع الضرائب ولا حتى الأرباح لصغار المساهمين هي في حقيقة الأمر الثروة الحقيقية للسودانيين التي بنوها بأيديهم حتى الكهرباء لم تسلم من النهب والخصخصة وإنشاء شركات على انقاضها والثراء الفاحش من ورائها مع عب الديون على المواطن بسبب قروض الكهرباء الربوية التي حللها برلمان الإنقاذ الإسلاموي والدفع المقدم للمواطن بعقود الاذعان دون التمتع بالخدمة ودون حق السؤال عن القروض التي لم تنتج الكهرباء حتى قطاع النفط في عشرته العسلية تم خصخصته للمحاسيب والمتوالين عشرات الشركات وغابات اسسمنتية باسم التحسين في الأراضي الزراعية بالتعدي عليها.
من خلال جرائم الخصخصة وقضايا القطط السمان والتسويات التي تمت لا تعرف الناس أين تم توريد ملايين الدولارات حيث لم تسترد هذه الملايين للخزينة العامة ما يفتح السؤال ماذا عن المتهم الذي تم تصفيته أو انتحر هل القضية ماتت أيضا والذي في ما اشيع انه كان يدير أموال التنظيم التي لا نعلم مصادرها وعلى هذا النهج كثير من الناهبين مازالوا طلقاء يتحكمون في مفاصل الاقتصاد السوداني ومعظمهم يعيشون خارج البلاد ويدريرون مفاصل المشهد السياسي والاقتصادي اليوم بالريموت كنترول.
مفاجأة النظام المخلوع كان في سقوطه بثورة ديسمبر المجيدة واستفاقة الشعب السوداني من سباته لينتهي عقد الاذلال القومي والنهب ليكرس فصل جديد من التطهير وإزالة التمكين السياسي والاقتصادي واسترداد المنهوب من نظام الإنقاذ هذا ما ارهب الدولة العميقة وعزاؤها كان في تمكينيتها على مفاصل الدولة حتى أمنيا عبر الأجهزة التي مازالت تواليها لتدبر وتنفذ انقلاب ٢٥ اكتوبر لحماية مكتسبات النهب والسلب واسترجاع ما تم استرداده بواسطة لجنة إزالة التمكين من أموال وعقارات من أموال الشعب السوداني للناهبين.
لم يترك الإنقاذ مشروعا تدر دخلا للبلاد بل ترك اقتصاد ريعي ببيع الأراضي والعقارات وفي هذا لم يترك ساحة فباع حديقة الحيوان واشلاقات الشرطة وحي الوابورات على شاطي النيل الأزرق للديار القطرية وأراضي السكك الحديدية وأراضي المدرعات الشجرة وهكذا دواليك نترك للقاري ان يتواصل.
عليه لا ينفصل المشهد الاقتصادي المتوحش الماسوي اليوم عن الأمس بل امتداد وتواصل واستمرار وتجذير لتلك النبت الشيطاني التي زرعت بذرتها في ٣٠ يونيو ١٩٨٩ بشخوصها وجرمها وبالسياسات التي حكمت بها نظام الإنقاذ من تنفيذ أجندات النهب والتمكين السياسي والاقتصادي من سلب واستعباد كان له الدور الحاسم لاحقا في تشكيل التراكم للنظام المالي المنهوب والقائمة على التهريب وفي اقتلاع السكان الأصليين من موطنهم في أكثر من جهة في بقاع السودان وأكثر وحشية كانت في دارفور من استعبادهم وحرق قراهم بناسها ودفنهم أحياء وتحويل دارفور الي ساحة محمية للنهب والفساد ميلاد أثرياء حروب جدد من راسمالية نازحة وناشئة متوحشة وليد شرعي لنظام الإنقاذ حامل جيناته في القتل والنهب والسلب نهب موارد البلاد وتهريبها أولها الدهب وصنع الهجرة القسرية لسكانها من خلال تزكية الحروب واستباحة الأرض فالرلسمالية الإمبريالية الغربية الاحتكارية وجدت ضالتها في الجنجويد اليوم ما لم يجده بالأمس ووجدت سلاحا لمقاومة قوي التاريخ (تاريخ زوالها) والبقاء لاستمرارها فضل خلق عملاء لها من سلاح العنصرية وسلاح تزكية الحروب لحاجتها في تبرير ما يقومون به من سلب ونهب واستغلال عملائها في الداخل هذا الاستبعاد كان له الدور الحاسم في فصل الجنوب بموارده النفطية وكان له الدور الحاسم في خلق طبقة مسلحة عنصرية وثرية بالنهب والتهريب وفتح أسواق لها من محدودي القدرة تعليما وفكرا مسلوبي الإرادة عقلية مصنوعة لخدمة الإمبريالية وحماية دولهم من المهاجرين والمهجرين مقابل يوروهات وفي ذات الوقت نهب موارد البلاد لصالحها لترفد اقتصادياتها واقتصادالتخالفات الإقليمية العميلة فقد بات هذا التنظيم اليوم اداة مطواعة وضرورية لقوى وأنظمة اجتماعية تمثل مجموعات هائلة من أصحاب المصالح الخاصة داخليا وخارجيا التي تجد حماية خاصة من المحاور ونقل المعركة الي المركز ليسيطر على المشهد السياسي والاقتصادي والأمني ليموت الشعب قتلا وجوعا وقهرا من خلال قراءة المشهد في الشارع تبين مكمن الأزمة السياسية والاقتصادية والأمنية المصنعة والموروثة ولو انها أشد قتامة لان ديسمبر لم تقم بما تلزمها من شرعية ثورية لحسم كثير من الامور السياسية والاقتصادية والأمنية وحسم التدخلات الإقليمية والدولية ومن هنا كانت التسلل والانقلاب
لابد الخروج من هذا المازق التاريخي المخرج في خارطة جديدة لأهداف ثورة ديسمبر ومشاريعها وعدالتها دون وصاية بسلطة مدنية تقودها قوي الثورة للانتقال الي التحول الديمقراطي.