وجه الحقيقة

التيار_الاسلامي بن “دبلوماسية غندور”و”بندقية الناجي” .

د. عبد المحموالنور

الخطاب السياسي للتيار الإسلامي الوطني يجب أن تحكمه معطيات ومحددات معينة وفقاً لمتغيرات المرحلة التي تتطلب أن يعيها الجميع ( مرسلو الرسالة ومستقبليها ) .. فرب مبلغ اوعى من سامع ..

ان ما تشهده البلاد من وضع مأزوم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وأمنيا يفرض على الجميع ضبط خطابهم ، ورسم خرائطهم السياسية وحساب خطواتهم بدقة ، لأن حسابات “الربح والخسارة” وتغير موازين القوة واردة وتفصل بينها فواصل رفيعة للغاية ..

المشهد السياسي المرتبك بتعقيداته الداخلية وتدخلاته الخارجية ما عاد يحتمل تحريك بيادق رقعة الشطرنج بأي خطوات غير محسوبة العواقب ، فحتى التنظيمات السياسية – بما فيها القوى الاسلامية – تعاني من هشاشة داخلية وعدم اتفاق في كثير من الرؤى والاهداف والسياسات ..

البيئة الخارجية “اقليميا ودوليا” باتت تستهدف تصفية ( الإسلام السياسي ) وهي بيئة حساسة جداً ومتحفزة للقضاء على أي مظاهر ترتبط بعناصر القوة “المادية والمعنوية” ، لاسيما ( التنظيمات الجهادية ) ، وهناك من هو مستعد للاستثمار في أي فرص تأتيه على طبق من ذهب ليحقق أجندته الخبيثة ؛ خاصة أصحاب المشروع العلماني في السودان ورعاتهم من خارج السودان .. لذلك ينبغي لاصحاب المشروع الإسلامي أن يكونوا حصيفا في توصيل رسائلهم والتعبير عن مطالبهم بما لا يثير الفتنة والفرقة والشتات ، وكل ما يمكن أن يُتخذ ذريعة لإضعاف المشروع الإسلامي ..

كما أن المتغيرات في مجمل المشهد ببيئته الداخلية والخارجية لم تعد كما كانت عليه قبل الثورة ، ففي فترة الانقاذ كانت الدولة بكل مكوناتها وأجهزتها مساندة للتوجه الإسلامي بعكس ما هو الآن .. وكانت القوى السياسية المختلفة يقودها زعماء يتسمون بالحنكة والحكمة تفتقدهم الساحة السياسية الآن أمثال:-

الشيخ حسن الترابي ، والاستاذ محمد ابراهيم نقد ، والامام الصادق المهدي وغيرهم .. حتى الرئيس البشير كان له دور في معالجة وامتصاص الكثير من الخلافات والتصدامات بحنكته القيادية ومكانته وقبوله في مختلف الاوساط في الدولة والمجتمع .. فالساحة السياسية باتت تفتقد حتى الدور الريادي المؤثر والمسموع لزعماء الادارة الاهلية ومشايخ الطرق الصوفية وبقية رموز المجتمع من الشخصيات القومية والكفاءات الوطنية .

على الصعيد البيئة الداخلية التنظيمية فان الدماء الحارة التي تجري في شرايين الكثير من شباب التيار الاسلامي تغذيها مشاعر متباينة ، وتسكنها مرارات وخلفيات (وصدمات نفسية) عديدة منذ المفاصلة والى سقوط نظام الإنقاذ ، وهي بين هذا وذاك تعيش حالة توهان مربكة ومتناقضات صعبة ، ولكنها مع كل ذلك مشحونة بمشاعر قوية غاضبة تلهبها أشواق وعواطف لا تخلو من حماس واندفاع يفتقد في كثير من الأحيان إلى حسابات المنطق والعقلانية والتروي ..

ان الخطاب السياسي والاجتماعي للتيار الإسلامي فشل في مرحلة ما قبل الثورة في التعبير عن الكثير من تطلعات الشباب واستيعابهم ؛ مما خلق فصاما وصداما تمظهرت بعض تجلياته في ثورة ديسمبر ٢٠١٨ ، وقبلها في حراك ٢٠١٣ ، وفي دعاوى الاصلاح الداخلي ، وغيرها من حالات المفاصلة والانشقاق المتعددة .

ان التيار الاسلامي في حاجة إلى وضع رؤية واستراتيجية لتوظيف طاقات شبابه – لا سيما المجاهدين منهم – ودمجهم في مسيرة البناء الوطني فهم طاقات جبارة يشهد لها كل منصف بما قدموه من تضحيات ، وبما يحملوه لهذا الوطن من خير ..

كما يجب أن ينتبه قيادات المكونات الإسلامية المختلفة إلى أهمية إفساح مزيد من المجال للشباب في قيادة العمل الإسلامي داخل أحزابهم وفي منظمات المجتمع المدني ، ويجب الاستفادة من أخطاء وتجارب الماضي ؛ خاصة تراجع مشروعات الإصلاح الداخلي وعدم استيعاب الكثير من الرؤى التجديدية والشبابية التي أفضت إلى انقسامات حادة داخل المؤسسات التنظيمية وتركت بعض الفجوات والشروخات بين الأجيال المختلفة ..

قد يكون صادما للبعض أن نقول أن الاسلاميون مازالوا شتاتا ( تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى ) .. لذلك فان أشواق عودة وحدة الحركة الإسلامية في مكون تنظيمي وسياسي واحد ؛ ما تزال حلما بعيد المنال إن لم يكن مستحيلا في هذا الوقت تحديدا ، لذلك من الأوفق لهم جميعا العمل على تشكيل إئتلاف اسلامي سياسي عريض يحمل المقاصد الكلية وأهداف المشروع الإسلامي والوطني ، وعليهم أن يتساموا عن جراحات وخلافات الماضي بأن يعينوا بعضهم البعض فيما اتفقوا عليه وأن يعذر بعضهم بعضا فيما اختلفوا حوله ..

الاسلاميون بكل مكوناتهم يحتاجون إلى ( بندقية الناجي ) ، لكنهم أكثر حاجة إلى ( دبلوماسية غندور ) .. كل في مقامه الصحيح ( فلكل مقام مقال ) .. يحتاجون إلى ( دبلوماسية لينة في غير ضعف ) .. فالدبلوماسية التي لا تسندها قوة ضعيفة ولا تتحقق أهدافها .. محتاجون للقوة التي يحكمها العقل ويضبطها الرشد السياسي ..

يحتاجون إلى “بندقية الناجي” ، وهنا لا نقصد البندقية “بمعناها الحرفي” ولكن نعني بها الخطاب القوي ، والثبات على المبادئ ، ومواجهة التحديات بصمود الرجال وبسالة المجاهدين ، وقد يشمل ذلك استخدام القوة بشكلها المرشد لمصلحة الدين والوطن فقط ، يحتاج الإسلاميون لهذا الخطاب في نصرة المظلوم واغاثة الملهوف واظهار الحق وحفظ النظام وبناء الدولة وحماية بيضة الاسلام والمسلمين ، يحتاجونه في إجراء المراجعات الفكرية والتنظيمية وحسم بعض الملفات والتجاوزات ، يحتاجونه في توحيد مواقفهم وصفوفهم في المعارك الفاصلة بين الحق والباطل ..

قد يرى البعض أن خطاب الناجي “خطاب فردي” لا يعبر عن توجهات المكونات الإسلامية – خاصة المؤتمر الشعبي – في هذه المرحلة ، وقد يرى البعض أنه خطاب يمثل الرؤية السياسية للحزب ، لكن الأمر في النهاية – برأيي – رهين بأن تحدد قيادة الحزب موقفها من ذلك ، وتبقى الحقيقة أن الأخ الناجي في مثل هكذا موقف لا يعبر عن نفسه ، ولذلك نحن نربأ به أن ينزلق في اتون خطاب وحرب كلامية تمس شخصه الكريم ومكانته السامية في نفوس اخوانه فهو ( أمير المجاهدين ) برمزيته التي عرفه بها الناس ، وينبقي أن تكون هذه الرمزية والمكانة محل احترام العدو قبل الصديق.

( الخطاب اللين ) قد يكون أقوى تأثيرا وأمضلى سلاحا من ( القول الخشن ) خاصة في التعامل مع أصحاب السلطة وجبروتها ، فليس هناك مثالا أفضل من كلام الله تعالى حينما أمر نبيه موسى وهارون عندما أمرهما بمخاطبة الطاغية فرعون ، ( فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ ) .. هذا هو المنهج الرباني في تعامل الدعاة مع الحاكم المستبد الباطش .. بالتالي فان الرئيس البرهان ، ونائبه حميدتي مهما اختلف الناس معهما لن يصلا الى فساد فرعون وجبروته واستكبارهما ، ومهما تباين الرأي في قوات الدعم السريع تظل هي قوات سودانية مساندة صنعها الاسلاميون أثناء حكمهم لمواجهة تحديات جدية في دارفور ، كادت أن تعصف بالدولة والمجتمع ، وقد كان لها دورها الوطني الكبير في حفظ الأمن والاستقرار وحسم التمرد ، وحسم كثير من جرائم التهريب وتجارة البشر وغيرها ، وان كان البعض يستشهد بتجاوزات ومخالفات وفساد وانتهاكات لهذه القوات وقياداتها ؛ فان ذلك أمر وارد جدا فهم بشر ، ومثل هذه الاخطاء لا تخلو منها كثير من المكونات والاحزاب والمؤسسات ، وعلاج ذلك يتم بالمؤسسية والقانون والحكمة وليس الاستعداء والمواجهة الكلاميةخ ، التي تتسبب في تعميق الجراحات ومزيد من الخلافات .

لعب اليسار والعلمانيين ابان اعتصام القيادة في صناعة خطاب استقطابي يخطب ود قائد قوات الدعم السريع ، ويطلب انحيازه لهم في مواجهة بقايا ( الكيزان ) ، يحمد للرجل أنه لم يطرب لهذا الخطاب ، ولم يمارس انتهازية ركوب موجة الثورة في أن يحقق مآربه الشخصية ؛ لكنه اختار أن ينحاز الى المؤسسة العسكرية التي تتبع لها قواته ، وأن يكون جزءا من المكون العسكري المقابل للمكون المدني ( الحرية والتغيير ) .. فهل أولى أن يعمل الاسلاميون على كسب المكون العسكري الذي هو الاقرب اليهم أم استعدائه وتركه في صف اليسار والعلمانيين ؟ .

واذا اردنا أن نضع النقط في الحرف فان حميدتي لم يقم بالانقلاب على نظام الانقاذ ، ولم يكن من صناع ( الخيانة ) – اذا جاز التعبير – فان من انقلب على قائدهم البشير هم أعضاء اللجنة الأمنية التي لم يكن حميدتي عضوا فيها وكذلك كان القائد البرهان ، لأن الرجلين جاءوا بعد انقلاب ابن عوف .

ان شواهد التاريخ ومسوغات الواقع ترجح فرضية انحياز البرهان وحميدتي الى خدمة الدين والوطن أكثر من انحيازهما للفريق المناهض للدين والوطن ، فما الذي يمنع من أن يسخرهما اهي لهذه الرسالة السامية ، فنصرة الاسلام في السودان ليست حكرا على الاسلاميين وحدهم ، فقد نصر اهني الاسلام برجال كثر حسبهم الناس من الفجار ، وليس أقرب من مثال في السودان من موقف الرئيس الراحل جعفر نميري – رحمه اهات – الذي جاء الى الحكم عبرانقلاب شيوعي ، وكان معروفا بأن النميري يعاقر الخمر ، ولكن اهات هداه وأراد به خيرا اذ سخره لتطبيق الشريعة الاسلامية ولضرب الشيوعيين اعداء الاسلام ضربات قوية ادخلتهم تحت الأرض سنين عددا ، وكان للاسلامين فضل المصالحة معه ، وهي من قادته الى التوجه الاسلامي أكثر من المصادمة معه .

ان استعداء المكون العسكري بكافة مكوناته – مهما بلغت وجاهة مبررات ذلك – لا يسندها مسوق شرعي ولا قانوني ولا حتى سياسي ، فالبلاد تحتاج إلى وفاق وطني ومصالحة شاملة تتجاوز كثير من الجراحات والتحديات والعقبات الماثلة .. امتثالا بقوله تعالى : ( ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) ..

ربما من الأفضل للإسلاميين – في هذه المرحلة – بحث مسألة أن يصلوا مع المكون العسكري إلى توافق يسمح لهم بحرية العمل السياسي إلى حين إقامة انتخابات حرة نزيهة في وقت محدد يلتزم به الجميع ، وأن توفر لقياداتهم المعتقلة في السجون محاكمات عادلة يخرجوا بموجبها لممارسة حقهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي دون تدخل من المكون العسكري ..

فليس من العقل والمنطق أن يتجه التيار الاسلامي إلى صدام مع المكون العسكري في معركة لا طائل من ورائها في هذا الوقت ، خاصة بعد أن بدأ يحدث نوع من الانفراج ؛ حيث بدأت العدالة – المعطلة لسنوات – تأخذ مجراها ، وبدأت معنويات الإسلاميين ترتفع مع خروج بعض قادتهم المعتقلين ظلما من السجون ؛ ظهر ذلك من خلال التجمعات الكبيرة في الإفطارات الرمضانية وفي الاحتفاءات الشعبوية بالمفرج عنهم ..

كما أن المناخ السياسي بدأت كفته تترجح لصالح الإسلاميين بعد أن تكشف للشعب سواءت “قحت” وفشلهم في إدارة الدولة والتردي الواضح في كل جوانبها ، وبعد أن ظهرت نواياهم الحقيقية ومشروعهم لمحاربة قيم الدين وتآمرهم الخارجي .. بالاضافة الى حاجة المكون العسكري لخبرة الاسلاميين في ادارة الدولة في هذا الظرف الحرج ، كل ذلك يصب في مصلحة الإسلاميين .. فلما هذا الخطاب الذي يؤدي الى الرجوع للوراء ؟

مهما كان رأينا في العسكريين الذين يحكمون الآن ؛ فإنهم يظلون حكاما رضينا أم أبينا ، فالملك لله يؤتيه من يشاء ، وسنة الاستبدال واردة ، وأن يولي اهين علينا كيفما كان حالنا واردة .. وفي النهاية لا يجب الخروج على الحاكم أو منازعته بالقوة ، ويجب على الاسلاميين مواجهة خصومهم السياسيين عبر صناديق الاقتراع فقط ، وبالسيطرة السياسية والاغلبية المايكنيكية في البرلمان .

الاسلاميين عبر حنكتهم السياسية وخبرتهم العريقة وطرحهم المقبول يمكنهم تغيير المشهد السياسي من جديد ، وإدارة الملفات الداخلية والخارجية ، ويمكنهم – لاحقا- رفض التطبيع ، والمعاملات الربوية ، وتغيير القوانيين العلمانية ، وأي شكل مضر من أشكال التحالفات في المحاور الخارجية ..

يحب أن تدار المعركة في هذه المرحلة “بالقوة الذكية” وهي القوة التي تجمع بين ( القوة الناعمة والقوة الصلبة ) واستخدامها بشكل مرشد بما يحقق الأهداف ، فليس من الحكمة أن تجعل الجميع يتوحد ضدك بخطاب سياسي غير مدروس ، فالعلمانيين واليساريين والعسكريين في الداخل وأعداء المشروع الإسلامي في الخارج كلهم يمكن أن يستثمروا في توجهاتك الخاطئة والعمل ضدك ؛ فالافضل لللاسلاميين أن يعملوا بفقه الأولويات ويوجهوا معركتهم في الاتجاه الصحيح ، فهناك معارك يمكن أن تؤجل او تلغى تماماً اذا لم تكن هناك حاجة إليها ، أو يمكن تجاوزها ببدائل سياسية تحقق مصالح كل الأطراف وتجنب البلاد والعباد شر الفتن .

ومن الضروري أن يحتوي الجميع – حكاما ومحكومين – فتيل أي أزمة محتملة قد تفضي إلى المزيد من الخيارات الصفرية .. فالحل هو الوفاق الوطني الشامل الذي يتسق مع دبلوماسية خطاب غندور ..

لذلك فان قادة التيار الاسلامي العريض مطالبون بالنظر إلى كل الأسباب الذاتية والموضوعية التي تحكم وتشكل خطاب المرحلة ، ومطالبون بصناعة مواقف تؤدي لاستجابات مرجوة لتوحيد الجهود وتشكيل التوجهات وحشد الطاقات والنزول إلى العمل الاجتماعي القاعدي وردم الفجوة والعزلة التي حدثت بين القيادة والقاعدة ، لأن كل ذلك يمثل رصيد استراتيجي حقيقي داعم لواقع ومستقبل المشروع الإسلامي ، ويمثل حائط صد منيع أمام كافة محاولات احتوائه سواء عبر جهات داخلية أو خارجية ..

ان المدخل الاساس لاستعادة التيار الاسلامي لريادة الساحة السياسية والاجتماعية هو أن يعمل على صناعة وقيادة مبادرة توصل جميع مكونات المجتمع الى ( مشروع وطني ) بمشاركة كافة القوى السياسية .. هذه هي الاولوية ، وهذا هو النجاح الحقيقي الذي يمكن أن يحققه ويعمل عليه التيار الاسلامي العربض في هذه المرحلة ..