وجه الحقيقة

تأملات / جمال عنقرة/ حسين خوجلي ومصر .. حب رغم الظروف

وجدت في بريدي صباح أمس الخميس السابع من شهر سبتمبر ٢٠٢٣م رسالة من أخي الشريف الحبيب الزميل الهندي عز الدين ينقل لي فيها دعوة للغداء من رجل الأعمال السوداني هشام حسن السوباط رئيس نادي الهلال، ثم أتتني رسالة أخري من الأخ الصديق الزميل عاطف الجمصي، تحمل نفس الدعوة، فاستجبت للدعوة بلا تردد، بل تحمست لها، ومن دواعي حماسي للدعوة فضلا عن مقام الصديقين العزيزين – الهندي والجمصي – اللذين نقلا لي دعوة السيد السوباط، أني علمت أن أخي وصديقي الحبيب الشريف حسين خوجلي سوف يشرف اللقاء، وبيني وبين الحسين جسور، واواصر، وذكريات وحكايات، وقصص وحكاوي، وصلوات وسهرات، ومجاهدات ومسامرات، ثم أن صاحب الدعوة السيد السوباط، عندي من الذين تستجاب دعواتهم، وكنت قد التقيت به مرة واحدة قبل نحو عامين عندما دعاني لإفطار رمضاني، نقل لي أيضا دعوته الأخ الجمصي، ومما عودت نفسي عليه أن أكون أكثر تواصلا مع الذين لا تجمعهم معي قواسم مشتركة كبيرة، ومع هؤلاء أعلي من قاسم السودانوية الذي يعلو علي كل القواسم والمشتركات القبلية والسياسية، والثقافية والرياضية، والجهوية، وأحيانا كثيرة يعلو حتى علي الدينية في الشؤون الدنيوية، ومثاله عندي أخي وصديقي الراحل عادل عيدو جورج، وكذلك القمص الحبيب الدكتور فيلوثاوس فرج، والأنبا صرابامون، والعزيز وجيه فكتور وكثيرون من اقباط أم درمان وكردفان، ولعل هذا هو سر علاقاتي المميزة جدا، مع يساريين وأنا إسلامي، ومع ختمية وأنا أنصاري، ومع سلفيين وأنا صوفي تيجاني، ومع هلالاب وأنا مريخابي، ومن مزايا هذا الوصل والتواصل السودانوي، أنني وخلال ما يزيد من الأربعة عقود عمل فاعل ومتواصل في بلاط صاحبة الجلالة، وكان لي فيها مواقف سياسية واضحة وصريحة، لم يحدث أن ورد اسمي في قائمة سلبية لصحافيين أو إعلاميين طوال هذه الفترة، رغم صدور عشرات القوائم السالبة، وهذا فضل لو ادركه السودانيون لأعلوا من قيمة السودانوية، ولجعلوها أساس وصلهم وتواصلهم.
ترافقنا في الرحلة إلى مزرعة السيد السوباط الباشوية الأنيقة الفاخرة البديعة في تجمع احمد عرابي في منطقة العبور، مع الزميلين الهندي عز الدين والطاهر ساتي، ورافقنا الحبيب الوجيه محمد الجيلي سعدابي وجه السودانيين المشرق في القاهرة في سيارته الفارهة.
كانت الجلسة كما يقول صديقي وابن عمي وأستاذي الراحل المقيم السر أحمد قدور “جلسة ما منظور مثيلها” ضمت نخبة من أميز إعلاميي بلادي، وكانت فرصة لمعرفة الوجوه المشرقة لصاحب الدعوة الأخ هشام السوباط، والذي استحق بعد أن عرفناه أن نذكره “الأخ” وليس “السيد” كما كنت أفعل قبل ذلك، فلقد حرص، وبعفوية كاملة أن يتعامل معنا من منطلق أخوة صادقة غير متكلفة، وهذا كان عنوان الجلسة، التي طغي عليها كرم سوباطي مشهود، رغم عجزه عن إخراج الجلسة من بساطتها التي اكسبتها حميمة نقلتنا إلى اجواء السودان الرائعة البديعة، نسأل الله أن تعود، ويعود بلدنا أكثر امنا وأمانا.
ضيف الشرف الحبيب الشريف حسين خوجلي، كالعهد به دوما اخاذا خلابا، ساحرا بديعا، ولكن يبدو أن ضعف بصره، زاد بصيرته اتقادا، وحديثه في ذاك اليوم ذكرني حفلا لعبقري الفن السوداني إبراهيم الكاشف، افتتحه برمية شدت الحاضرين، ثم بدأ الغناء بروائع متنوعة قدم فيها كل فنون الغناء والتطريب، حتى لم تبق إمرأة ولا رجل في مجلسه، وعجت الساحة بهم كبارا وصغارا، وتجلت عبقرية الكاشف، فقدم الكسرة التي ظلت رائجة حتى اليوم … خدك السادة ولونك الخمري خلقوك يا روحي لي ودار عمري .. الحبيب وين … قالوا لي سافر.
كسرة حسين خوجلي
بعد صال وجال الحسين طولا وعرضا، وقدم أفكارا متماسكة، ورؤي متقدمة، في دقائق محدودة، قال .. لا بد من كلمة قبل أن ينفض هذا السامر، لا بد أن نقول جميعا .. شكرا مصر، شكرا لشعب مصر، وشكرا لحكومة مصر، وشكرا لرئيس مصر .. شكرا مصر الحضارة، مصر الماضي والحاضر والمستقبل.
ثم قال الحسين
إن المعركة ضد السودان معركة ضد مصر أيضا، ومصر تعلم ذلك تماما، وهي معركة حضارية في المقام، واعداؤنا يعلمون أن حضارة وادي النيل لو سادت فاضت، ولو فاضت لن يقف خيرها عند حدود الوادي واهله، ولكنه سيعم ويغطي كل العالم شرقا وغربا، جنوبا وشمالا، لذلك فهم يتامرون علينا، ولكننا منتصرون بإذن الله.
ولما سمعت كلام أخي الشريف الحسين تذكرت المعاناة التي عاشها الحسين في سبيل الوصول إلى مصر، وقد صادف قدومه فرض تأشيرة علي كل سوداني وسودانية، وتذكرت المعاناة النفسية التي يعيشها الآن بسبب عجز ابنته ملاذ وزوجها الحصول علي تأشيرات دخول إلى مصر، لكنني تذكرت موقفا للرئيس العراقي الأسبق عبد الكريم قاسم عندما لفت أحد مرافقيه نظره إلى تراب في حذائه، فكان رده خلي نظرك فوق.
وهكذا الحسين لا ينظر إلى تحت قدميه، ويتطلع إلى يوم تسود فيه حضارة وادي النيل، السودان ومصر، واتطلع إلى يوم قريب جدا، لا تعود فيه الحريات الأربع فقط، ولا يعود فيه السفر ببطاقة وادي النيل كما كان الحال علي أيام دراستنا الجامعية في سبعينيات القرن الماضي، وحتى مطلع الثمانينيات، ولكنني ارجو يوما يصير فيه السفر بين السودان ومصر بالبطاقة الشخصية، وليس ذلك علي الله بعزيز.