وجه الحقيقة

*محطات تنفيذية وإنسانية في رحلة الحنين الي أمدرمان*

سطرتها : واصله عباس

مدخل :
لم تكن المسافة طويلة في مداها ، بقدر ماكانت طويلة في معناها ، حاولت جاهدة أن أشغل نفسي بغير الطريق ، وكيفية اللقاء الذي يجئ بعد ستة أشهر غابت فيها العين عن رؤية أحبابها وأهلها ، وتاقت النفس الي ارواح كانت تهبط عليها بردا وسلاما ، ولم أكن ارتدي لباس الطمأنينة والأمان بقدر ماحاولت أن اعزز ثقتي في الله واقداره التي اعتدت أن أتقبلها بصدر رحب علي الرغم من مرارتها ، وكثرة المحن والمصائب التي حلت بي واسرتي ولكن إعتدنا أن نقول إنا لله وإنا إليه راجعون في كل مدلهمة ، كانت العقبة البورتسودانية أخف وطأة مما أنا فيه ، والكل يعرف العقبة و ما العقبة التي ترعبني وتخيفني في كل تسفاري الي ثغر السودان ليكون جلوسي في المقاعد الأمامية زيادة من مخاوفي ، لاني لست من محبي المقاعد الأمامية في المسافات الطويلة ، ولكن تجمد خوفها في بواطني ، و (الأرسنال) ينهب بنا الطريق نهبا فكنت أري كل المشاهد في الطريق أراها بزاويتي الخاصة ، فهذه السهول المنبسطة تعيدني الي محنة أهلنا في (الفتيحاب) وبساطتهم ، وكرمهم الفياض ، وتلك الجبال الراسيات الشامخات ، تحكي عن صمودهم وثباتهم عندما إحتدم الوغي ، والكل يعلم كيف كان ثباتهم في هذه الحرب التي صمدوا فيها ، ورفضوا الخروج والمعركة تدور رحاها ، والخسائر تزداد في الأرواح والعتاد والمال ، ولكن ظلوا علي هذا الثبات التي رأينا ثماره ، ونحن في كل إرتكاز نسأل عن منطقتنا التي جئنا منها ، فنقول بفخر وثبات (الفتيحاب ابوسعد أهل الركاب ) وكنا نري في عيون السائلين الإمتنان والشكر .

كرري ..الولاية
قد يندهش الكثيرين لهذا العنوان ، ولكن الحقيقة تشير الي أن كرري قد إتسعت رقعتها لتصبح الولاية الخدمية والقاعدة العسكرية ، والقيادة الإستراتيجية في ظل الحرب الدائرة في الخرطوم ، لتصبح للجميع مقر وسكن ، عليه أشفقت علي القائمين علي أمر محلية كرري من هول المسافات من تخوم ولاية نهر النيل حتي دخولي الي منطقة صابرين بالثورة ، فقد كانت علي إمتداد البصر بكثبانها ورمالها وبعض من المرتفعات ، فكيف لمعتمد محلية أن يجوب تلك البقاع متفقدا لها بصورة دائمة ؟ ، حدثتني نفسي بأن ولاية الخرطوم قد لاتٌعد بانها تحتوي سبع محليات بقدر ماهي سبع ولايات بقامة وطن قد يبرء جرحه قريبا والان تحتضنها كرري الاصالة والتاريخ ، وفي الابل يجد والي الخرطوم احمد عثمان حظوة كبيرة لدي اطياف واسعة من إنسان الولاية ، لمواقفه الراسخة وثباته والوغي يحتدم ، وتجد مساعيه واركان سلمه تقديرا كبيرا .

يازمن ،، أسرع شوية
حاول سائق العربة الشاب العشريني أن يلحقنا بآخر محطة قبل غروب الشمس ، وموعد حظر التجوال في الولاية ، وعلي الرغم من مهارته في القيادة ،إلا أنه فات الآوان في تحقيق مرادنا جميعا للوصول الي وجهاتنا المختلفة ، أشعرني هذا الشاب العشريني برجال الزمن الجميل وهو يقودنا الي بيت في منطقة (الجزيرة إسٍلانج) ارض التقابة والقرآن ، وهو يجزم (مافي مرا بتبيت في الشارع ) ، وأدخلنا الي حيث الدار التي أمعن أهلها في وفادتنا ، ولحق بنا الشاب وهو يحمل (صحن بوش ) لم أستطع مشاركتهم في تناوله فقد بلغ بي التعب مبلغا .

غادرنا صبيحة اليوم التالي عند الخامسة صباحا ، لنجد صفا مطولا من السيارات تنتظر دورها في التفتيش والفحص الأمني ، وهذه االأعمال تٌشعرني بالأمان ، وتملأني أملآ في قٌرب موعد العودة الي الديار ، فكان أن قال أحدهم (ماتتضايقوا نحن نعمل لمصلحتكم ) ،،، فقلت له : لو لم تقوموا بهذا لتبددت ثقتنا فيكم ..وتقطعت كل حبال الأمل في العودة ،،،
أنا ولأشواق والاحزان في صابرين
وصلت محطة صابرين بالثورة وكان وريدها عامرا بحياة إفتقدناها وإشتقت لها ، تمتلئ أوعيتها بكل مواعين الحياة التي تضخ شرايينها ، كيف لا وهي المنطقة الآمنة الوحيدة في الخرطوم ، وأصبحت الحصن الحصين والملآذ الآمنة للحياري والثكالي وابناء السبيل ، أًصبحت محلية كرري جامعة لشتات الخرطوم واهلها ، وقد إتسعت لتحتويهم ، وقد بسطت يداها مرحبة بهم ، تمسح عنهم بعض من الأحزان ، وقاسمتهم لقمتها وديارها فأصبحو بعد الشتات آمنين ، وبعد الحزن مطمئنين ، من خلال زجاج نافذة العربة ، كنت متلهفة أن اري وجها ألفه في تلك الزحام ، ظللت أٌدٌير وجهي يمنه ويسري علني أجد (شوفتا تبل الشوق) ، وشفتاي تستعد لإطلاق صيحة أنٌادي بها من اراه متجاوزة كل شئ ولكن تركت الشوق يأخذني للأهل والصحبة .
وصلت حيث الديار التي تقطن فيها عائلتي دون عناء يٌذكر فقد كان الوصف جيدا ، دخلتها وجلة ،مشتاقة ، خائفة من رؤيتهم بعد هذا الضني والأيام السيئة التي عاشوها في مسقط الرأس ، وصلت اول الطريق لأجد إبن أخي الكبير حبيب القلب والروح (السر عباس ) رحمه الله ، لم أكن بمقدوري الصبر فقد دابت كل أنسجة ثوب الصبر فيني ، أما يكفي ماعانيته في غربتي الإجبارية ستة أشهر وأنا أهيم بعيدا عن الأرض والأهل ،،، أسرعت اليه وكلي ألم لأبكي أباه وأبي وأخواني ،، لأ اعزز شوقي اليهم ،، لأبل أشواقي التي أوشكت أن توصلني الي حتفي ،، (بله) الذي سٌمي علي جده لأمه وخالي شقيق والدتي ، فأنا عمته وخالته وأخته ،أي عزوة أنا فيها بهذه العلاقة التي تربطني بأبناء أخي السر (الحبيب الي نفسي) ، وعلي صوت بكائي خرجت كل أحزان الأسرة وهرول الجميع الي يحاولون تقاسم الأوجاع والأحزان والأشواق ، ووجع الغربة والحنين الي الديار والجيران وكل مشاهد (حِلتنا بمربع 2 ابوسعد ) ووجدت في صدر كل من الاسرة الصغير قبل الكبير حنينا دفاقا إتكيت عليه ولذت بنبض قلوبهم ، وتدثرت بأثواب الصبر والثبات منهم .
أمي يا دار السلام والرحيل المر
تنفست الصعداء وأنا اراهم بخير رغم الضيق والعنت ومشقة الرزق الذي أغلقت ابوابه أمامهم ، ولكن حتما سيصاب الصبر بالفشل إذا حاول دق أوتاده في نفوسهم ، لانه سيجدهم من الصابرين في البأساء والضراء ، متقاسمين الزاد وإن قل ( يضحكون في وجه الزمان الشين ) ويسخرون من قسوته عليهم ، لإيمانهم القاطع أن أمرهم بيد الله ، وفي كل لحظة يرددون الحمدلله علي قضاءه وقدره ، وحكمه فينا ، هرولت مسرعة علني أرمي ماتبقي من وجعي وشوقي في (أم محمد ) خالتي الحبيبة الي نفسي (دار السلام بت حامد ود مصطفي ود ابوعكف) إمراة تحمل ملامح الزمن الجميل ، وشلوخها التي تملأ وجهها ، فتزيدها أصالة تحكي عن إمراة سليلة الحسب والنسب (وبنت ناسنا كرام) ، كانت وشائج الود تربطني بخالتي بت حامد، كنت الأقرب اليها في حياتها ، تُدخلني في كل تفاصيل حياتها فأنا وليس سواي ، وكان هذا الإستئثار لشخصي مثيرا لتململ شقيقاتي وبنات خالتي ، فكن يقلن أنني إبنتها المقربة ، وحتي عودتي كانت لأجل رؤيتها ، بعد أن علمت بمرضها ، ولكن كانت الفاجعة الكبري أنها لحقت بالرفيق الأعلي ولسانها يناديني ، حينها لم أستطع التحمل ، فقد جئت لأضمد جراحاتي ، وأروي أشواقي ، لا احكي لها عن قسوة المشوار وضراوة التيار ، ولكنها كانت صادقة في قولها ، بأننا سنتركها خلفنا ، وإنها لن تعود معنا الي البيت الكبير ليواري جسدها الطاهر بعيدا عن الديار لاهل، وخرجت منهم ، والجرح متسع ونازف.

أسواق تحت التسأولات
في طريقي لزيارة بقية أفراد الاسرة ، مررت بسوق يتوسط سوق صابرين ، تباع فيه كل شئ دون تحديد صنف ، ويبدوا جليا إنها المنهوبات والمسروقات التي حدثت للمنازل والمؤسسات إبان الحرب ، والكل يبيع بحرية وتحت سمع وبصر الدولة بل كل مؤسساتها ، مما يعني تقنين البيع بلا مساءلة عن كيفية الحصول علي هذه السلع ؟ ، ليتنا نجد من يفتينا في هذا السؤال هل عملية الشراء من هذه الاسواق حلالا أم حراما؟.
إيادي عاملة :
ذهبت الي لقاء بعض مسئولي الدولة لعكس مايدور في أروقتهم ، وكيف تٌدار الاوضاع سيما وافدي المحلية القادمون من آتون الحرب ، ووجدت كل تساؤلاتي عن موقع مقر حكومة المحلية اوالولاية بلا رد ناجع ، وزاد الامر سؤا إنقطاع الشبكة الكاملة مما جعلني أبحث ، وعليه أكثر من 17 مرة كانت عدد المرات التي توصلت فيها بالمواصلات العامة والخاصة خلال اليوم ، بسبب الوصف الخاطئ حتي إنقسم النهار وباتت الشمس في كبد وأصابني الرهق والأعياء ، وأخيرا توصلت الي ما اريد ، ولكن رغم كل هذا الجهد لم أتمكن من لقاء الوالي أحمد عثمان ، لتواجده خارج المكتب ولكن إلتقيت بمدير تنفيذي محلية أمدرمان الاستاذ الهادي ، ومدير عام الرعاية الإجتماعية الاستاذ سيف مختار ، ووجدت لكل تساؤلاتي إجابة حيث صرح الاستاذ سيف مختار أن المساعدات التي تصلهم لاتفي 5 % من جملة الإحتياجات مما يعني الحوجة الي مزيد من الدعم وأن لديها قاعدة البيانات مكتملة تحتوي علي كل الوافدين في مراكز الإيواء والإسكان مما يسهل دخول المساعدات الانسانية اليهم ، مبينا أن الولاية تبذل أقصي جهدها لتلبية الإحتياجات العاجلة ، ، من جانب آخر أكد المدير التنفيذي لمحلية أمدرمان عن جاهزيتهم لإزالة آثار الحرب من مخلفات المباني ونظافة الاحياء والشوارع والمنازل من آثار العدوان ، وإعادة شبكة المياه والكهرباء وتعزيز الوضع الأمني بالمحلية بنشر القوات الشرطية والنظامية ، وفتح مراكز الشرطة لبسط هيبة الدولة في الأماكن المحررة ، مؤكدا علي تسارع وتيرة العمل مع الجهات ذات الصلة بالتنسيق المحكم لأجل العودة الآمنة للمواطنين .
قبل المغادرة :_
شكي الكثيرين من الوافدين سيما القادمين من منطقة الفتيحاب بعدم توفر العمل الكافي مؤكدين عن بحثهم الدوؤب للعمل في كل الطرقات ولكن من غير جدوي ، بجانب أنهم لايملكون رأس المال الذي يجعلهم يدخلون الي السوق الذي يشهد ركودا كبيرا في ظل إنعدام السيولة المالية ، سيما بعد إنقطاع شبكة الإتصالات التي تسهم في التحويلات المالية ،كما أن هنالك العديد من الشكاوي تجاه القائمين علي امر توزيع المساعدات الإنسانية مما يتطلب متابعة قوية من جهات الامر الرسمية ، ويبقي السؤال هل لدي والي الولاية إتجاه لدعم الوافدين بمشروعات مدرة للدخل من خلال قروض ميسرة أو منح ،أو إستيعابهم في الخدمة في مؤسسات الدولة بمقابل مادي ؟
رؤي أخيرة :
سأغني لنفسي (يامسافر وناسي هواك أرواحنا وقلوبنا معاك) ،،، وغدا نعود ،، حتما نعود ،، وراجعين لحوش عباس بإذن الله نفتح ابوابه علي مصرعيها كما كانت ،،، لنلتقي جميعا ،، نحكي معاناة الفراق ،، وقصة الشوق الأليمة،، ونبني وطنا اساسه الايمان والعمل.