وجه الحقيقة

مبادئ الصحافة المهنية الرشيدة النذير إبراهيم العاقب

لعل الكل إضطلع من قبل وعلِم أن الإعلام يعتبر السلطة الرابعة، وهذا ما ظل متعارفاً عليه طوال الحقب الماضية، في حين أن القاعدة الرئيسة تضع الإعلام الآن في خانة السلطة الأولى في العالم أجمع، وذلك من منطلق ما يمثله من أهمية قصوى وتأثير مباشر في كافة الأحداث العامة والخاصة والعالمية والمحلية، فضلاً عن قدرته الكبرى على إحداث التغيير اللحظي والمباشر، سواءً كان سلباً أو إيجاباً، بجانب أن لدي مقولة دارجية ظللت أرددها عشرات السنين، ومفادها أنه (بإمكان الإعلام أن يرفع إعلى مراتب النجاح والقبول العام، وفي ذات الوقت بإمكانه أن.. يُغطِّس حجرك.. وينزل بك إلى أدنى مراتب الحضيض).
وليس من شك أن هناك إعلام إيجابي وفاعل بحق، مقابل وجود إعلام سالب إلى أبعد مدى يمكن تصوُّره، الأمر الذي إستدعى بالضرورة وضع أسس ومبادئ وقوانين صارمة تُلزم من يحترف العمل الصحفي والإعلامي الإلتزام الصارم بها، وإلا فعليه أن يكسر قلمه ويبحث عن مهنة أخرى.
ولعل من أول مبادئ وواجبات الصحفي والإعلامي البحث عن الحقيقة وتحرى الدقة في ما ينوي نشره على الملأ، وأهم من واجباته بالضرورة تحمُّل مسئولية الرسالة الإعلامية الصادقة والإلتزام بأمانة المهمة وشرف المهنة، إرتكازاً وإستناداً على أسس ميثاق الشرف الصحفي الوطني والعالمي والأقليمي، مع الإلتزام الصارم بتحكيم الضمير المهني وأخلاقيات العمل الصحفي وتقاليده وإحترام القانون العادل وأحكام القضاء النزيه، ورفض المزايدة والإبتزاز والبُعد تماماً عن الإثارة المتعمدة والمتاجرة عن طريق مهنة الصحافة في الخلط بين الإعلان والإعلام، والتدليس على الرأي العام، والإبتعاد تماماً عن إثارة الفتن والنعرات العرقية العنصرية والقبلية والدينية والطائفية وإثارة الكراهية، مع أهمية الإلتزام بمكافحة الفساد والإستبداد والإرهاب.
وبالضرورة فأن سر المهنة الصحفية والإعلامية يجب أن يظل مترسِّخاً وقائماً في ضمير الصحفي الملتزم بتنفيذ القوانين ومواثيق الشرف المهنية، وأن لا يخضع للضغط والإكراه والإبتزاز والإغراء طلباً لإفشاء أسرار عمله أو الكشف عن مصادر معلوماته، الأمر الذي يستدعى توفير الضمانات القانونية والنقابية من ناحية، وترقية الأداء الصحفي والمستوى المهني والإعلامي من ناحية أخرى، وهو ما يجب أن يُكرِّس الصحفيين كل الجهود لتحقيقه في كل الأوقات وبمختلف الأساليب، لأن أعظم ما تملكه الوسيلة الإعلامية وخصوصاً الصحفية هو أمانتها ودقة حكمها على ما يتوفر من معلومات لديها دون تحيُّز لشخصية أو جهة بعينها.
كما يترتب على الصحفي والإعلامي أياً كان موقعه الكثير من الواجبات، وأهمها بلاشك أن يتمتع بالكفاءة والموهبة وسِعة الثقافة، وأن يكون على جانب كبير من اللباقة والذكاء، وأن يكون على وعي تام ويتصف بالأمانة والنزاهة والموضوعية والطرح البناء لجهة كسب عدد كبير من القُرَّاء، فضلاً عن أهمية التحلي بعقيدة صحفية راسخة وقلم نزيه وبليغ يفرض عليه مخاطبة الجمهور كل يوم بأسلوب جديد وسهل ومُشوِّق وجاذب ويُعبِّر عن قضايا الرأي العام برويَّة وتأني وصدق.
ولعل الإلتزام بكل ما سبق حتَّمه واقع أن الصحافة أصبحت بالضرورة أداةً مُهِمَّة في تكوين تشكيل الرأي العام وفي بلورة مواقفه الراسخة، وبالتالي فإن الصحفي يحتاج إلى تطوير أساليبه إيجاباً، وذلك بإبتكار فنون أخرى أكثر تطوُّراً وفاعلية، مع الأهمية الكبرى لتوفُُر الخبرة الكافية في التعامل مع كافة الجهات الحكومية والإجتماعية والرياضية والإقتصادية وكل الدوائر التي يتعامل معها، ومع الحوادث الواقعية التي يتحتم عليه تغطيتها ومراعاة أذواق كل تلك الهيئات والفعاليات المختلفة، وعدم إستغلال الحرية الممنوحة للصحفي أو الاعلامي لإفراغ سموم حقده في جسد هذا الطرف أو ذاك، والإعتداء على الآخرين تحت ذريعة الحرية وإستخدامها كمظلة في التشهير والكذب والتلفيق، وإلا تعد تصرفاته هذه من علامات الضعف والفشل، ويكون بذلك مفتقراً إلى الحد الأدنى من المهنية وأهلية إمتهان العمل الصحفي بعدم إحترامه لمشاعرالأخرين، لاسيَّما وأن الصحفي أو الإعلامي المحترف عليه أن يُفرِّز كل ما يقع تحت يده من معلومات، ومن ثم يختار ما يراه ذو قيمة كبيرة ويمكن الوثوق به لكي يقدمه إلى جمهوره تعميماً للفائدة، سواء أكان الخبر مع أو ضد نظرة الصحفي أو الاعلامي، خاصة وأن القدرة على تشخيص الأحداث ومعرفة أهمية التطورات الجارية في مكان الحادث لها أهميتها وتأثيرها الإعلامي ومصداقيتها في نفوس القارئ والمُتَلقِّي.
وذلك من منطلق إحترام الخصوصية الذي يُعدُُ مبدأً رئيسياً في الممارسة الصحفية والإعلامية، الأمر الذي يستوجب على الصحفي من خلالها ضرورة إحترامه وحرصه اللازم في الحفاظ على ضمانات الخصوصية لكل مواطن ومسؤول، وعدم التورط في نشر ما يكشفهم من دون إرادة صاحبها وإذنه المسبق لنشرها، وبالضرورة لا يحول ذلك دون ممارسة حرية الرأي والنشر بشفافية كاملة فيما يتعلق بالقضايا العامة وعدم إغفال نشر بعض الأخبار أو المعلومات أو الآراء، والمطلب الأساسي عند هذا المنحنى هو أن يكون على وعي تام بآرائه الخاصة حتى يُمكِنُه مراقبة إنعكاساته على ما يقدمه من مُنتَج إعلامي للمتلقي والمتمثل في الجمهور.
ولعل أشد مصاعب تحمل الأمانة يتمثل في الموضوعية التي تُعتبر أبعد ما تكون عن الإثارة والخضوع لرأى محدد، فضلاً عن أن الموضوعية هي أسلوب أو كيفية تناول الصحفي أو الإعلامي الحِرَفِي للمادة التي تحت يده دون تحيُّز لشخصية أو جهة بعينها. ونزيد على ذلك أن الموضوعية تَتحول مع مرور الأيام إلى تصرفات وسلوك تحكم حركة الصحفي والإعلامي الحِرَفِي داخل مجتمعه بمستوييه، الضيِّق المحصور في مجال عمله، والواسع المُمْتَد على إتساع معاملاته الخاصة والعامة.
وهنا نستطيع أن نقول الإستقصاء الصحفي أو الإعلامي واجب مِهَنِي وتِقَنِي مطلوب من كل الإعلاميين والصحفيين الذين يريدون أن تكون رسالتهم الإعلامية مُشتَمِلَة على الحد الأدنى من المصداقية، وبعيدة بقدر الإمكان عن السطحية أو تبسيط الحدث، بحيث يؤخذ كما هو دون البحث والإستقصاء عن الجذور والأبعاد والمسببات، ولا يمكن أن تكون له من نتائج وآثار على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، إذن هو واجب أساسي لا فضل للإعلامي فيه، وهنا تقتضي الضرورة دراسة الحدث أو القضية الطاغية على الإعلام من زاوية المُحيط الذي نبتت فيه هذه القضية أو تلك من خلال الثقافة أو الفكر أو الإيديولوجيا السائدة في ذلك المحيط، وبالضرورة متى ما توفرت تلك الأسس والمبادئ أعلاه لدى الصحفي والإعلامي، فلا شك أننا على موعد مع أداء إعلامي صحفي متكامل يُفضي إلى إصلاح كل الإعوجاج الحادث الآن في طرح وتناول جُل وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ومن ثم ضمان توفير رسالة إعلامية كاملة الدسم.