وجه الحقيقة

حــدود المنطق/ رحيل محمد البرهان، مواقف ومشاهدات/ إسماعيل جبريل تيسو

وانتهت مراسم تشييع محمد عبد الفتاح البرهان عبد الرحمن بمدينة أنقرة التركية، وكان تشييعه مهيباً مثلما كانت وفاته استفتاءً لمكانة البرهان في قلوب الشعب السوداني الذين شاطروه الأحزان وسكبوا الدموع سخية، فضجّت منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية بهشتاق #كلنا محمد، في مبادرة إنسانية عكست قيمة الإنسان السوداني في الدعم والتضامن والمؤازرة في التخفيف على رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة المفجوع والموجوع برحيل باكورة إنتاجه، ومستقبل رجائه، وعصاه التي كان يأمل أن يتوكأ عليها.

وما أشبه الليلة بالبارحة، ذلك أن تشييع جثمان الفقيد الشاب محمد عبد الفتاح البرهان وموارته الثرى في أنقرة، قد أعاد إلى ذاكرة والده، ذات المشهد والموقف العصيب الذي واجهه البرهان نفسه وهو يواري جثامين أكثر من خمسة وثلاثين من الشهداء من ضباط وضباط صف وجنود الحرس الرئاسي والشخصي الذين قدموا أنفسهم رخيصة فداءً وتضحيةً للقائد العام للقوات المسلحة، يوم أن حاول قائد ميليشيا الدعم السريع أن يغدر به، فكان هؤلاء بمثابة حائط الصد الذي أفشل مخطط حميدتي وجعل كيده في نحره، فكان البرهان أكثر المتأثرين بموقف هؤلاء الأبطال من أبنائه الذين فدوه بأنفسهم، وبذلوا أرواحهم الطاهرة في سبيل السودان وقائدهم البرهان.

إن الله لا يبتليك بشئٍ إلا وبه خيرٌ لك، حتى وإن ظننتَ غير ذلك، فوعد الله يبقى قائماً ونافذاً، عطفاً على قوله تعالى (وبشر الصابرين)، أو قوله سبحانه ( لا تخَفْ ولا تحزَنْ إنَّا منجُّوك) فالحمد لله دائماً وأبداً، ويبقى الابتلاء بمثابة اختبار من المولى عزّ وجل الذي جعلنا خلائف في الأرض، ورفع بعضنا فوق بعض درجات ليبلونا في ما أتانا من فضله ونِعَمه التي لا تعدُّ ولا تُحصى، فهنيئاً لمن صبر وظفر، وأحسب أن الفريق البرهان من الذين صبروا على كثير ابتلاءات واجهته طوال ست سنوات من الحكم، ولكن رحيل وفقد فلذة الكبد والفرحة الأولى، يمثل ابتلاءً جسيماً وعظيماً، نثق في قدرة البرهان على الاحتمال مستعيناً بالصبر والصلاة، وحتماً سيوفيه الله أجره بغير حساب.

ولعل من اللافت للانتباه في تفاصيل وفاة محمد عبد الفتاح البرهان بأنقرة، ما ظل ينطق به لسان الأسافير عن رفض والده وهو رئيس مجلس السيادة، والقائد العام للقوات المسلحة، طلباً من الرئاسة التركية بتخصيص طائرة لنقل جثمان الفقيد محمد ليوارى الثرى في موطنه، بل إن البرهان أعرض عن كل الرجاءات والمبادرات التي تقدمت بها شخصيات وطنية، وخطوط طيران، ودول صديقة وشقيقة، وأصرّ على أن يوارى فلذة كبده بعيداً عن تراب وطنه، تقديراً للظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، فضرب البرهان بهذا الموقف مثلاً يحتذى في الثبات ونكران الذات, وهو موقف يستحق الإشادة والتقدير، ويضع على عاتق الشعب السوداني مسؤولية دعم وإسناد ومؤازرة رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة في التخفيف عن المصاب، ليستعيد الرجل عافية الاستمرار في العطاء ويمضي على طريق العابرين، إصراراً وعزيمة على دحر وهزيمة المتمردين، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.